الاربعاء 01 ديسمبر 2021 آخر تحديث: الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
رواية " فيما بعد " للروائية ذكريات عقلان .. فيما بعد .. دستور الحب - فاروق مريش
الساعة 21:31 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 


حين يمتزج الحب بالأنانية يصبح الحب خدعة ، وحينما يتخلى الحب عن أهم مبادئه - الصدق والوضوح - يصبح الحب خدعة ، وحينما يحب أحدهم بكل مالديه ، ويحب الآخر بأقل ما لديه يصبح الحب أكبر خدعة .
ليس الحب كالإنفاق على حسب المقدرة ، الحب فوق المقدرة وإلا ما كان حباً ، الحب لا يكلف شيئاً حينما يتكلف أحدنا فوق ما يستطيع .
بهذه الكلمات لخصت الروائية روايتها على غلاف الكتاب .
فيما بعد ، هي تجربة مريرة جسدتها ذكريات قلبان بصدمات ، ونسجتها ذكريات عقلان بكلمات .
في ص 142 قالت : كم أصبحت أكره كلمة " بعدين " و " فيما بعد " !
فيما بعد تكاد لا تأتِ ، وإن أتت تكون متأخرة جداً ، حقاً مللتها .
فيما بعد .. هي رواية واقعية بطلتها كل أنثى يمنية ،  على مسرح كل بيت يمني . 
فالأنثى اليمنية أسيرة آسرها الذكر سواء أكان الآسر أخاً أو أباً أو معلماً أو حبيباً ، فهي المتوجب عليها أعمال البيت صغيرة ، وهي الموكل إليها رعاية الوالدين كبيرة ، وهي المغضوب عليها في الزواج وبعد الانجاب ، والمنبوذة في حالة الطلاق ووفاة الزوج .
الحب والحلم الذي يراود كل فتاة في بناء عش عرشها المستقبلي ، يتهاوى أمام أنانية التفكير الذكوري وليس الرجولي .
فماذا لو كان هذا التفكير ذكوري بحت يصل إلى حد الانتقام .
فيما بعد ، قصة لفتاة اسمها نور ، ابتليت بقسوة أبيها ، وضعف أمها المنكسرة ، وتزمت إخوتها علاء وصادق ، وتفهم وحنان أخيها الأصغر مجد ، ووفاة أختها الصديقة والقريبة مها وهي في عمر مبكر إثر حمى شديدة أصابتها وهي في الصف السادس .
أحبت نور الإعلام كتخصص فرفض والدها دخولها الإعلام لكنه وافق في عملها كإعلامية ومقدمة احتفالات ، وكاتبة سيناريوهات في شركة إعلام مشهورة اسمها ( فلق ).
يملك هذه الشركة شاب وسيم وذكي وجذاب اسمه  آسر .
هذا الفتى تم وصفه بالتفصيل في ص 6 حتى كأنه تمثل أمامي بأناقته وشعره المنسدل وقوامه الرفيع وخصره النحيل وبشرته القمحية ، أعجب بنور منذ أن رآها تقدم افتتاح أحد المولات في صنعاء .
استقطبها إلى شركته لتكون إضافة متميزة ضمن طاقمه المهني ، ومع مرور وقت ليس بطويل تعلقا ببعضهما وأصبحا يتبادلا رسائل الإعجاب والحب الصادق والنقي ، حتى صرح لها برغبته في التقدم لطلبها من أبيها .
توالت الأحداث ضمن حبكة درامية أشبه بتراجيديا هندية ذات خلفية موسيقية حزينية ، رسائل ومشاعر وصعود وهبوط في العُقد الحكائية التي أوصلتها إلى مهب الريح في سواحل عدن ثم أبين ثم صنعاء لتكتشف وهمها الذي ضحت لأجله سنوات طويلة يعيش في منزل وأسرة وأبناء في منطقة الحدأ .
الحب الذي ضحت لأجله بكل شيء حتى بعائلتها الذين تبرأوا منها ، ولم تنل منه سوى الحسرة والخيبة ومواجهة المجتمع منفردة هي وفتاتها الصغيرة التي أسمتها مها على اسم أختها المرحومة .
الرواية عبارة عن سياط قاسية في ظهر الرجل التآمري ، الذي صورته ضابطاً كالأب ، وانتقامياً كوالد آسر ، وأداة جريمة كحبيبها آسر ، ومتحجراً كصادق ، وإمعة كعلاء ، وشهوانياً كالأستاذ عمار ... 
الرواية انتصرت للمرأة على خصمها اللدود الرجل ، في قالب ظهرت فيه الأنثى مظلومة كالأم وابنتها نور وابنة نور مها ، وأختها مها التي ماتت بالحمى بعد المطر وإهمال الأب المتعمد ..
لن أطيل في سرد تفاصيل الفكرة وأدلف إلى تسليط الضوء على مكامن القوة السردية لدى الروائية وهي كثيرة وأكتفي بما يلي :
1- قدرة فائقة على الوصف التصويري ، كما في وصف آسر مدير الشركة في ص 6 ، ووصف شركة الفلق في ص 22 .
2- تحليل نفسي واجتماعي ممتاز لواقع الحال في سلوك الأسرة ونظرة الأنثى لنفسها ونظرة المجتمع لها بطريقة بسيطة تخلو من التعقيد كما في ص 11 وهي تقول :
ربما عدم تواجد أهلي في الحفل كان أفضل ، حيث أنني لم أكن لأستطيع أن أسبح بنظراتي تلك ناحية آسر ، وأتمعن في إيداع الخالق فيه .
في ص 72 : لم أصرح لآسر بحب أو إعجاب ، ولا بأي لفظ .
بالمقابل لم أنهه أو أزجره على تصريحه لي ، ما جعله يفهم أنني أبادله مشاعره ، ولكن بطريقة الأنثى اليمنية .
قال الأب لابنته نور في ص 114 حين رآها تبكي وقد رماها بالمسبحة التي كانت بيدها :
تسبحين !
أنت تعرفي الله أصلاً ؟!
لو كنت تعرفيه ما فعلتي فعلتك ..
تضخيم لسوء الفهم رغم أنهم لا يعرفون أنها لم تصنع شيء يسيء لشرفهم وسمعتهم . 
بينما سلوك الأب مع خليلاته كان هو الجرم الحقيقي الذي يتغاضى عنه الرجال في مجتمعنا الذكوري ويضخم من السلوك البسيط جداً ولو كان رسالة نصية طالما وهو صادر عن أنثى .
قالت في ص 122 لم أستطع الرد ، كنت خجلة من أمي وأمجد ، كنت عاتبة على تأخره عليّ ، كنت منهكة من شدة اشتياقي له ، فقط بكيت وأسمعته نحيبي ، لم أترك التلفون ، لم أرد أن أفارقه مرة أخرى .
3- إيراد بعض الأمثال والاقتباسات والأساطير التي تناغمت مع النص بصورة عفوية وتلقائية ، تنم عن ثقافة واطلاع واسع تتمتع به الروائية مثل ص 13 : في الغالب يقولون عن الطفل الجميل والحاذق " من حق الجنة " ، وكانت شائعة عند البعض بأن الطفل الذي تبدو أوصافه كاملة ، يكون موته قريباً لأنه من أهل الجنة .
وفي ص 31 يقول قباني : " الحب للشجعان ، الجبناء تزوجهم أمهاتهم ". 
أوردت كذلك في ص 218 قول لبرناردشو :
" قبل أن تفكر في الشيء  ، فكر كيف تنهيه ".
4- جريان الحكمة على لسانها وهي تخط مذكراتها لفقيدتها مها طيلة سياق الرواية كأن تقول في ص
87 : رأته عيناي فما صبرت ، حتى عانقت بنزيفها خداي .
قالت في ص 105 :
كنت قبل سويعات أتمنى الحياة لفرط فرحتي ، والآن أتمنى الاختناق لعظم مصيبتي .
كذلك في ص 140 : 
الحب يختلج قلوب عذراء ، تحبُّ مرةً واحدة ، فما زاد عليه فهو بقايا حب .
قالت في ص 187 :
من أسوأ ما قد نتحلى به هو التفتيش عن الأخطاء في الآخرين .
5- بلغت الرواية ذروتها في ص 117 التي لخصت الرواية كاملة وهي تتحدث عن مواقف عديدة ، كانت تختم كل موقف بعبارة " لم يكتمل لي يومٌ من الفرح " .
6- حرف الحاء مع ذكريات له خصوصية حتى بشكله المقوس الذي يشبه الحضن والاحتواء برأسه الحاد ، فهو عندها يجمع بين المتناقضات كما أشارت في ص 216 :
غريبٌ هو حرف الحاء ، يضم الحلال والحرام ، الحب والحقد ، الحزم والحيرة ، الحزن والحبور ، الحبس والحرية .
حرف الحاء حرفٌ جريء كالرجل تماماً ؛ يجمع في جوفه جميع الأضداد .
7- تجلي التفكير الفلسفي لدى الكاتبة وهي تضع تساؤلات تصادم سلوك مجتمعها ، كما في ص 47 :
أحس بأني لا أعرف الحب بعد ، لماذا الجميع يلصقه بي ؟ لم لا يجعلونني أكتشفه لوحدي ؟ أيكون ما أُكنه لآسر هو شيءٌ منه ؟ أم أن له مسمىً آخر ؟ ألا يوجد مسميات أخرى لمشاعر الغرابة والفرح والخوف معاً ؟
في ص 53 ، 54 تضع إجابتان لسؤالين معقدين :
أولهما :
- أيمل الحبيبان من حبهما يوماً ما ؟!
لا أعتقد ، بل أجزم أنه لا ملل في الحب ، العبادة والحب شيئان لا يمل منهما ، نحن لا نمل من أداء الصلاة وقراءة القرآن والأذكار يومياً ، وأكثر ما يجعلنا نعبد هو حبنا .
أما التساؤل الثاني :
- هل هناك مغفرة بين المحبين ؟
المغفرة محدودة بأُطُر ، إذا تجاوزتها فقد دخلت في دائرة الطرد ، ولا مغفرة بعد الطرد .
وحقيقة لم يسعفني الوقت لأكمل وصف معادني الثمينة التي خرجت بها من منجم هذه الرواية النفيسة ، وتعزيزاً مني لمبدءٍ أنتهجه في النصح وإهداء التحسينات فإني أقدم بعضها على النحو التالي :
1- النقطتين وهي ضمن علامات الترقيم ، ووجودها بكثرة في صفحات الرواية في غير محلها ولا تخدم سياق النص ، واستبدالها بالفاصلة هو الأجدى . 
2- وجود بعض الأخطاء النحوية والإملائية على سبيل المثال لا الحصر " لم أنسى " والأصح بحذف حرف العلة وتعويضها بالفتحة " لم أنسَ " ، كذلك كتابة بعض الهمزات في غر محلها " بكاءي " وهي على نبرة " بكائي " ، لكن الملفت هو خطأ مطبعي متكرر وذات نمط متشابه وهو عكس الحروف في الكلمة الواحدة : 
فسحب والمقصود فحسب 
ليكفأني والمقصود ليكافئني
شئياً والمقصود شيئاً 
أنكهني والمقصود أنهكني 
3- زيادة عدد الفراغات والمساحات في الأوراق وهذا الأمر كان سيخفض من عدد صفحات الرواية التي تجاوزت 226 صفحة وبالتالي سيصغر حجم الرواية الكبير الذي يبدو غير محفز لكثير من القراء .
عزز هذا الحجم بعض الإسهاب والتطويل وتكرار المعاني وإعادة التعاريف وتكرار المضامين والحوارات مما يجعل القارئ يشعر بالدوار لأنه يبدأ من حيث انتهى ، وتوقف الزمن في الرواية كما في ص 135 . 
4- هناك بعض التساؤلات البسيطة أوجهها للكاتبة تبادرت لي أثناء قراءتي للرواية :
- هل 170 سم يجيز لنا وصف آسر بأن قامته طويلة ؟ 
- ما الداعي لذكر عيد ميلاد 22 أغسطس في ص 22 ؟
- لماذا لم نسيت الكاتبة ذكر تقديم الحفل الخاص بشركة الاتصالات الذي طلب منها آسر قبل توقيع العقد ؟
- لماذا كل الهدايا كانت تُقدم من قبل آسر ؟ رغم أن الأنثى عطاءها فياض بلا حدود ورغم أنها كانت تحبه حباً لا وصف له ورغم أنها كانت توفر جميع راتبها بسبب رفض أبيها لأي معونة منها في مصاريف البيت ؟
- أين ذهبت بالمال الذي وفرته وادخرته طيلة فترة عملها .
- لماذا استجابت الأم لقرار الأب حين أجبرها أن تتصدق بكل مالها الذي ورثته من أبيها ؟ 
- كيف تقول في ص 196 : بقيت أكثر من 3 أعوام وحيدة ؟ وهي حملت سنة وعاشت سنتين في أبين ، عاشت في صنعاء ، ثم عام دراسي كامل في خولان  ، بمعنى أنها قرابة 5 أعوام وليست 3 أعوام ، والدليل أن ابنتها كانت دوماً تسأل عن أبيها وتعي حوارات الكبار  ، ولا يمكن حدوث هذا مع فتاة عمرها عامين .
5- كشفت مرتين لمسار الأحداث وأصبحتُ كقارئ متوقع لأحداث الفصل القادم وذلك عبر استخدامها لألفاظ كاشفة مثل قولها في ص 20 :
لا أدري ما هذا الباب الذي فتح لي من حيث لا أحتسب ؛ لأدخل إلى جنتي وعالمي الجديد ؟
وهنا يفترض الإبهام والاكتفاء بالقول : لأدخل إلى عالمي الجديد .
كذلك في ص 155 :
كان اليوم بالنسبة لي أجمل أيام زواجنا منذ بدأت ، تمنيت أن تكون أول أجمل الأيام ، ولم أكن أدري أنها ستكون أوّلها وآخرها .. 
كشف للقارئ بأن القادم متغير ومأساوي وسوداوي . 
6- الفصل الأخير رغم صغره ، إلا أنه حصل فيه حشو كبير لاقتباسات الكتاب العالميين ، وكذلك شرح خبري دون أي تبرير بنائي لانتقام والد آسر ، وانتقام والد نور ، وكشف موت مها ، والحب القديم الذي جمع بين والدة نور ووالد آسر . 
ولو تم توظيف هذه الأحداث الكبيرة والعقد المحكمة في سياق فصول الرواية وحلحلتها ضمن البناء الروائي الطويل لكان أجدى للقارئ من وجهة نظري .
وأخيراً أقول أن هذه الملاحظات البسيطة إنما هي دلالة واضحة على أننا نقف اليوم احتفاءً بروائية قادمة بكل ثقة إلى الوسط الروائي ، وستذكرون ما أقول لكم " فيما بعد  " .
فيما بعد .. تجاوزت مفهوم الزمن ، لتغرق في تفاصيل مشاعرنا العمياء التي يمكنها أن تُدمر حياتنا عندما ننقاد لها .
هي جسر إنذار لتسليم العقل زمام القيادة بدلاً من القلب ، وللتحذير من مغبة الافتتان بالمظاهر والكلمات المسمومة ، خصوصاً في ظل العلاقات غير المعلنة .
فيما بعد هي رسالة إنسانية سامية تقدس الحب الطاهر والنقي ، وتعلي شأنه ، وتدافع عنه ، وتجعل من نواتجه التسامح والغفران كسلوك طبيعي يتحلى به صاحب القلب الممتلئ بالحب لأنه لا يمكن أن يجتمع مع الحب سلوك الحقد والرغبة في الانتقام .
تقول في ص 200 :
للتسامح سحرٌ عظيم ، بيد أننا في بعض الأحيان نحس بالانهزام عندما نغفو ، ولا ندرك أن المتسامحين هم الأقوياء فعلاً .
فرواية تُبحر في عباب القلوب لتكون دستوراً في الحب ، لهي جديرة بالتصفيق والتحية الحارة الآن وليس " فيما بعد ". 
3/10/2021

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24