السبت 19 سبتمبر 2020 آخر تحديث: الجمعة 18 سبتمبر 2020
عبد الرحمن بجاش.. وحافة إسحاق - أ.د. عزيز ثابت سعيد
الساعة 13:43 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

لكل رواية أو قصة أو سيرة سمتها ولونها ومجالها، لكن حافة إسحاق ذات لون مختلف.. بل هي مزيج ألوان متداخلة، قصة ليست ملحمية ولا درامية ولا غرامية، كما أنها لا تنتهي بحدث درامي، سعيد أو حزين، بل هي حكاية مستمرة، لانهاية لها، قصة تاريخ مكان وشخوص شغلوا المكان وصنعوا الزمان بامتياز، قصة ظاهرها سيرة طفل في مراتع صباه، وباطنها سيرة مدينة، بل، قل إن شئت: سيرة وطن..
 

إنها سيرة ذاتية لصاحبها ومكانه ومجايليه، ومن عرفهم، سيرة جزلة باذخة ماتعة، تبهرك بساطتها، رغم العمق، وسلاستها، رغم النقلات القليلة المفاجئة في السرد، وسمو بيانها رغم خلوها من التكلف اللغوي، والتقعر اللفظي الذي قد يجده القارئ في بعض السير. لست ناقدا أدبيا إنما قارئ، قرأ "الحافة" وأعجبته، فأراد أن يقول رأيه فيها.
 

عُرف عن عبد الرحمن بجاش حديثه عن الشخصيات التي يراها مؤثرة في حياة الوطن: اقتصاديا، أو ثقافيا، أو عسكريا... إلخ. والمتابع لما يكتبه بجاش في صحيفة الثورة، يعرف أن معظم مقالات عموده اليومي هي قصص نجاح أو مآثر أو مراثي لأشخاصٍ غيروا وجه الحياة أو أسهموا في تغييره، وكلّ هذا يجده القارئ في حافة إسحاق.
 

حين يتحدث عبد الرحمن بجاش عن حارته، فهو لا يتحدث عن بيوت، بل يتحدث عن مدينة تعز بشوارعها، وأسواقها، وحاراتها وأزقتها، ومدارسها ومساجدها وحتى مقابرها. يتحدث عن ساكنيها وتجارها ومناضليها ومهمّشيها، وأطفالها، وشبابها ورجالها ونسائها ومجانينها أيضا. يتحدث عن نفسه طفلا وعن رفاقه من الأطفال، واهتماماتهم ودراستهم وألعابهم وشقاوتهم، لكنه في الوقت ذاته يتحدث عن الكبار، ويسرد قصصا عن المؤثرين في الحياة حينئذ، ويتحدث عن شخوص كانوا حديث المدينة وحديث الساعة في زمنهم، سواء كان حديث إعجاب أم إنكار، ويتحدث عن زملائه وعن المدارس والملاعب والمدرسين وجنسياتهم وطرق تدريسهم، وطيِّبهم وعنيفهم.
 

يتحدث عن السواقين والحدادين والبياعين والخبازين الذين تفيق المدينة على أصواتهم وتنام بنومهم، لكنه في الوقت ذاته يتحدث عن المفكرين الثوريين المنظرين من كل الفئات، وإن كان ميله للناصرية واضحا جليا، فتعز مقسمة بين الإخوان والناصريين والاشتراكيين منذ الخمسينيات.
يتحدث عن بائعات اللحوح، وبائعة البطاطا، وعن الصبرية الفاتنة بائعة القات، التي كانت حديث المدينة وقتها، وعن صبرية أخرى "ممشقرة" "وجهها جميل كزرقة السماء" ينتظرها كل صباح تناوله سلة بلس وتسأل" كيفو أبوك وابن الشيخ؟" "هذا غصن السلام لأبوك..." وفي خضم حديثه عن المرأة العاملة لا يفوته أن يمرر جملا يرسم بها الابتسامة على شفاه القارئ، كذكره لبائعات اللحوح والخمير، وتلك التي تنادي "حقي حامي"، وعن حسونة الجميلة المكتنزة الجسم وهي تشق الصفوف لتطلب من مطعم طه طلبا فتتقدم على كل من سواها، والكل راض ومسرور، تداعب الطباخ بصوتها: "عم عبدالكريم زيد الكبدة مش كله بصل" وفي الوقت ذاته يتحدث عن زوجة الشيخ أمين نعمان سليلة الأصل وصاحبة القول الفصل في بعض المواقف، وعن خالته المهيبة وعن جدته القروية ودعواتها له عند عودته القرية "الله ششلني على ابني" الله شقصف عمري"، وهي دعوات تتناغم مع الدعوات الشامية (تؤبر قلبي)، وكأن ثقافة العجائز هنا وهناك تخرج من مشكاة واحدة.
يتحدث عن مطعم العصيد الشعبي ومطعم مرجان ومطعم بلقيس ومطعم النجاشي وو..، يتحدث عن البسطاء والمهمّشين وفي الوقت ذاته يتحدث عن مفجري صاعق ثورة 62. يزاوج بجاش في سرده الماتع بين الهزل والجد.. بين العام والخاص.. بين الشعبي العريق والمدني الحديث.. وهو في تلك المقارنات البديعة والنقَلات في السرد من شخصية عادية على قارعة الطريق لشخصية رسمت مستقبل البلاد برمتها، يحاكي أسلوب البردوني في حديثه عن الشعر، فقد عُرِف البردوني بمقارناته ومقابلاته البديعة غير المألوفة وغير المتوقعة، فهو مثلا يشرح بيت المجنون الذي يقول فيه:
أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها ** أثِـنْـتَـين صليتُ الضحى أم ثمانيا
بقوله: وهذا البيت له مقابل في قول راعية ماشية في عتمة حيث تقول:
مغرب دنا وانا نويت أصلي ** وابليس حضر وانا ذكرت خلي

 

إن مقارنة المجنون - بشعره المحلق في السماء - مع راعية ماشية مغمورة في أحد الوديان مقارنة تبهرك، فالقارئ يتوقع المقارنة بين متساويين، شعر حكمي بمثله، شاعر كبير بنظيره، لكن البردوني يكسر المستويات ويهشمها فما يهمه هو الموضوع والصورة وليس الشخوص، فالموضوع واحد.
وهذا ما يفعله بجاش في حافته الأنيقة: يتحدث عن طفولته وعن أشياء عادية لكنه بذكاء الكاتب المتمرِّس يعرفنا شخصا قابله مصادفةً أثناء رحلة الشنيني اليومية لشراء أغراض للبيت، أو شخصا جاءهم ضيفا على الغداء، أو شخصا سمع من يتحدث عنه، فيضع هذا الفلان تحت المجهر ويتحدث عن تاريخه وسيرته ومواقف جِدٍّ وأخرى هزل للرجل، يتحدث عن نضاله، إن كان مناضلا، ومواقف من بطولاته، فيتمنى القارئ أن يقرأ أكثر عن الشخصية، بل كأني به يحفز القارئ لسبر أغوار جوجل عله يعرف المزيد عن هذه الشخصية.

 

يتحدث عن المشايخ الذين كان أبوه أحدهم، ويجد القارئ وصفا لدواوينهم (غرف استقبالهم للضيوف) وطقوسهم، ويتحدث عن مواقف الوطنيين منهم، وفجأةً ينتقل ليتحدث أكثر عن المهمشين والمطحونين والبسطاء ومن تغرَّب منهم في فرنسا وإيطاليا والحبشة والخليج... وكيف أن اليمني مبعثر في كل أصقاع الأرض، يكوي الحنين لأهله وقريته ضلوعه، فيقتبس من قصيدة محمد أنعم غالب الشهيرة التي مطلعها:

فراقنا طويل
فارقت بيتنا القديم
يقوم فوق تل
وحوله نمت شجيرات "النشم"
وفوق سطحه رصت "قصص" للزهر والريحان
ورتبت مقاعد من الحجر
وعرشت سقيفة وارفة الظلال
تدور في أرجائها "كركرة المداعة"
وعبق البخور
وهي قصيدة، بل ملحمة، تصور حال اليمني الذي سبر زوايا الأرض الأربع بحثا عن لقمة عيش شريفة، يحزنك بالحديث عن معاناتهم، لكنه يتلطف بك، فيتحدث عن مقالب ومشاكسات طريفة حدثت في زمن الاغتراب لبعض شخوص تلك القصص ممن عرف، مثل خويلد وعبدان، وكيف أن "قبيلي" يقبل رأس وركبة "خادم" ويصبح حديث قريته. يتحدث عن عبدالله عبدان (من المهمشين) الذي حمَّله مشايخ الحجرية معونة تعز للثورة ليحملها إلى قيادة الثورة في صنعاء، وحين سئل من أنت يجيب "عبدالله عبدان،" ويردف سريعا "شيخ مشايخ الحجرية،" وكيف قامت الدنيا عليه ولم تقعد، وكيف حبسه المشايخ وانتقموا منه، إذ كيف لــ "خادم" في عرف القبائل أن ينتحل صفة شيخ المشايخ.
يتحدث عن المرأة الجميلة المكتنزة الجسم حسونة، بنت شيخ الجزارين، وعن لهف الشباب للنظر إليها، وعن كسرها العادات بالركوب فوق "مُتُر" (دراجة نارية)، بعد شرائها الكبدة من مطعم طه، وكيف أنها عملت في محل، فجاءتها المدينة زرافات ووحدانا للشراء من المحل. يتحدث عن المرأة المكافحة كالمخلافية بائعة البطاطا، ويضحكنا بحديثه عن "البرادة،" "زعمات تُقلِك أمي ببقشتين بطاط ولا تنسي البرادة، نسيتيها أمس"، وهي طبعالم تنس، بل هو ورفاقه من يأكلون الحصة الزائدة في الطريق، وعلى إثرها يأكلون ضربا من الأهل. ويتحدث عن ربات البيوت أمثال العبادية وزوجة الآنسي الكريمة وخالته الفاضلة، كما يتحدث عن دور المرأة الحاسم في بعض القضايا، فمثلا حين انتقم المشايخ من عبدالله عبدان منتحل صفة شيخ المشايخ، حبسه الشيخ أمين نعمان في منزل الأخير، ويروي بجاش كيف أن ذكاء الرجل قاده بعد ثلاثة أيام في ديوان الشيخ أن يأخذ "البوري" من المنافع قائلا ..أنا لها، أي الخدمة في منازل المشايخ، ويدخل لصالة البيت الداخلية، فتسمع زوجة الشيخ أمين صليل القيود، وإذا بعبد الله عبدان يرسف في الأغلال، وحين قص عليها القصص، قالت نجوت، وعندما جاء زوجها ووجد عبدان في الداخل، أقسمت زوجته سليلة النعمان ألا يدخل حتى يفك أغلال الرجل ويطلق سراحه بل ويعطيه ما يكفيه ليعود إلى قريته.

 

ويبهرك بجاش بتفاصيل المكان فذاكرته تصويرية، يتحدث عن الشارع فيصف المارة ويحدثك عن البائع وهندامه، ولون غترته وكيف اعتماره لها، ولون الكمر، والحذاء، أو "الشنبل"، والواقع أن طرق اعتمار الغترة مهم في وصف بجاش للشخصية التعزية، إذ يندر أن يخلو حديثه عن هندام شخص دون وصف لون غترته وطريقة لفها على الرأس. ويحدثك عن أسماء المحلات والمطاعم،كالنجاشي والكوري وقهوة الشباب والإبي، والبوفيهات، لكنه في الوقت المناسب يتحدث عن وظيفة أخرى لهذه الأماكن: فقهوة الشباب هي أيضا مركز تجمع الشباب للاستماع لأحاديث عبد الناصر، والنقاش الطويل بعده، ومطعم النجاشي يتحول إلى مقر تدريب عسكري لعامليه ليلا بعد ساعات العمل، يحدثك عن محلات الحلوى وما يعرض فيها، حتى تكاد من دقة التفاصيل التي يوردها تشتم رائحة الحلوى والهريسة، لكنه يذكر أن صاحب الحلوى يحثُّه وزملاءه أن يسرعوا كي لا يتأخروا عن المدرسة، فالبائع ليس مجرد "بائع"، بل أحد رجالات المجتمع الحريص على تعلم أبنائه.
يتحدث عن سيارات الزل السوفيتية واللاند روفر والفولجا والشاحنات، وسائقي الشاحنات والطرق الوعرة، ودور بعضهم في نقل المنشورات والكتب وأحيانا أسلحة من عدن، ويتحدث عن تعامل بعضهم مع مركباتهم وكأنها بشر من لحم ودم وليست حديدا أصم، ويكشف عن جوانب في شخصيته العنيدة أحيانا، كإصراره أن يأخذ نصيبه من الرقص العيدي الذي يحدث في العيد في القرية وهو في بيته في المدينة لعدم السماح له بالسفر ذات عيد.

 

ولا يغفل بجاش حتى عن مجانين المدينة وشحاتيها العفيفين مثل الشيخ علي، الشيخ الوقور المعوز الظريف الذي يعرفه كل تعزي أو زائر لتعز، (شا اندي لك قفل غلق بابك واجس جنبه)، وما إن تعطيه ما تجود به حتى يمطرك بدعوات يحركن كل خلية في جسدك لصدقها وتعابير وجه الحاج علي الربانية وهو يدعو بها، (لكم زرت مكانه في السوق الطويل حبا في سماع طرفه، وطمعا في دعوة من دعواته).
 

وبعد حديثه عن هذه الشخصية ينقلك للحديث عن رجالات الدولة الذين صنعوا التحولات، وأولئك الذين دربوا الشباب وجندوهم للمقاومة وحراسة الثورة مثل "أحمد سلام نعمان...واللواء علي الشيباني رحمه الله ود. محمد علي مقبل، واللواء عبد الله علي عبده نعمان، "الذي كان عندما يمر في الشارع ببدلته المموهة وجسده الممتلئ يشعل خيالنا."
ولم يتحدث بجاش كثيرا عما آل إليه حال بعض هؤلاء، فبعضهم لم ينصَف ولم يعطَ ما يستحق كاللواء عبدالله علي عبده، الذي توفي في حادث دهس في 2016. يقول قريب له "كان يجلس، رحمه الله، أمام نافذة في بيت كريمته التي سكن معها في صنعاء أثناء اشتداد المعارك في تعز، ويرسل نظره بعيدا لجبل عطان، وكان يبكي من شدة اكتئابه ومرضه وضعف تركيزه ويقول "كنا نمشط الجبال هذه تمشيطا من أجل استقرار الوطن، وها أنا اليوم في حالة يرثى لها، لم يقدرني أحد، "وكمان خرجونا من بيوتنا وعيشونا فقراء من غير رواتب"

 

يتحدث بجاش عن المباحث ومن خالهم الناس يعملون في هذا الجهاز، والرعب الذي يعتري البسطاء من هذه الشريحة المخيفة في تلك الحقبة، ويحدثك عن الفتوات مثل أبو شنب وقنبلة، والمفنش، ويتحدث عن المشاكسين كعبداللطيف، وصاحب محل ألف منش ومنش، وكلهم شخوص يعرفها أو سمع عنها الجميع.
تقرأ حافة إسحاق فتضحك، و تبكي و تحزن و تكتئب لما وصل إليه حالنا، إذ كان الجميع في زمن طفولة صاحب الحافة ينشد:
لنا الغد الموحد
لنا الصباح الأسعد
بشراك آن الموعد
يا أمتي لنا الغد
فلم يطل ذلك الصباح الأسعد، ولم يأت ذلك الغد الأرغد، بل جاء غدٌ أرمد، أصبح اليمنيون اليوم يقتتلون فيما بينهم!
تقرأ حافة إسحاق، وكأنك تشاهد فلما مصورا لطفولتك كتعزي.. أو كشخص ترعرعت في تعز.. أو كيمني عاش طفولة مشابهة...
عشت طفولتي في تعز، وأنا الآتي إليها بغية الدراسة من قرية نائية، وسط اليمن، وعشت معظم التفاصيل في رائعة بجاش، وإن كانت طفولته أبهى وأجمل من طفولتي، لكن يجمعنا الزمان والأماكن بتنوعها وبعض شخوصها.
ولا بد لي في الختام من كلمة أخيرة أقولها:
هل يتحفنا عبد الرحمن بجاش بحافة إسحاق ثانية -2 -؟ أرجو ذلك.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24