الأحد 22 ابريل 2018 آخر تحديث: السبت 21 ابريل 2018
سؤال النخبة: أن تصمت خير من أن تهادن أو تُستخدم - همدان دماج
الساعة 13:05 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)

 

مما لا شك فيه أن الحرب اليمنية قد هزت الكثير من الثوابت والأفكار والقناعات، وعصفت بالناس يميناً وشمالاً، خاصة وأنها اتخذت مساراً طائفياً غير مسبوق في الصراعات السياسية المعاصرة في اليمن، سرعان ما وجد صداه في ظهور النعرات الاجتماعية والدينية والجهوية المختلفة. هذه النعرات يمكن فهم انتشارها في أوساط الكثير من الناس بفعل مجمل ظروف التخلف الثقافي والاقتصادي الذي كنا نعيشه خلال عقود من الزمن، لكن كيف يمكن أن يُبرر انتشارها في أوساط النخبة؟ أنا هنا لا أتحدث عن (النخبة) التي تم الترويج لها من قبل السلطات الفاسدة خلال العقدين الأخيرين، بل أتحدث عن النخبة الحقيقية التي ظلت على مسافة ملائمة من السلطة والمجتمع، واحتفظت بمكانة لائقة لدى المواطنين، واستمرت في انتاج وعي حداثي ووطني أفادت منه القوى السياسية في مرحلة الحوار الوطني ومخرجاته قبل ثلاث سنوات. 
 

أستطيع أن أتفهم حجم الإحباطات وخيبة الأمل لدى الجميع من موقف هذه النخبة مما حصل، ويحصل، خلال هذه الحرب الكارثية، وتأثيراتها القاتلة على حياة الناس ومعيشتهم ومستقبل ابنائهم، فموقف الكثير من أبناء هذه النخبة كان سيئاً للغاية، بل ومتورطاً في بعض الأحيان بتصدر مواقف مناقضة تماماً للمبادئ والقيم التي طالما تغنوا بها، وكان لهم كل الحق أن يتغنوا بها: مبادئ الحرية والديمقراطية والشفافية والعدالة الاجتماعية. 
 

ومع هذا فأنا لست مع من يلغون وجود هذه النخبة، أو من يسعون إلى تجاوزها تماماً، أو أن يقللوا من تأثيرها على مشهد الصراع، فحتى التحركات الهزيلة، والجهود المتواضعة هنا وهناك أجدها مهمة للغاية، خاصة اليوم، وبعد مرور أكثر من عامين من استيلاء الحركة الحوثية المسلحة على العاصمة صنعاء، وما تبع ذلك من دخول البلاد رسمياً في حرب أهلية بشعة.  
 

كما أنني لست مع التقليل من شأن دعوتها المستمرة إلى السلام وإيقاف الحرب، فهذا جزء أصيل من وظيفتها، غير أنني أجد لزاماً عليها أن تضع النقاط على الحروف بشجاعة، وأن تدين من حمل السلاح أولاً لفرض سلطته بالقوة على الآخرين، وأنهى العملية السياسية تماماً وشرّع رسمياً للغة الاقتتال. فليست وظيفة النخبة أن تهادن تحت وطأة الخوف أو الطمع الرخيص، أو أن تتحول إلى طرف أعمى في الصراع، بل أن تقف بجانب الحق المستند على الحقائق والأحداث المتتابعة، وألا يصيبها مرض النسيان أو التناسي. عليها أن تعترف أن طريق السلام الوحيد هو التسليم بالقرارات الدولية وانسحاب الحركة الحوثية وأنصارها من مفاصل الدولة اليمنية، والتفاوض المباشر مع بقية المكونات السياسية والقوى الإقليمية والدولية حول مستقبلها ضمن أي تسويات سياسية قادمة. 
 

على النخبة اليمنية اليوم أن تعترف أيضاً أن اخفاقات الشرعية وممثليها لا يمكن أن يكون بلا تبعات أو بلا حدود. صحيح أن "الشرعية" هي الضامن الوحيد لبقاء الدولة اليمنية، وبوابة الخروج الأكثر أماناً من الأزمات الراهنة أو تلك التي تختبئ وراء الجدران، إلا أن هذا لا يعني أن تظل مرتبطة بالأشخاص مهما كان دورهم أو تضحياتهم، أو مرهونة بدوائر المصالح والانتفاع المباشر أو غير المباشر. 
 

على النخبة اليمنية أن تفعل ما تستطيع فعله دون أن ترتبك بوصلتها القيمية والوطنية، وأن تتحرك وفق قناعاتها الراسخة المحافظة على مصالح المواطنين في زمن الحرب كما في زمن السلم، وإذا عجزت عن ذلك فعليها أن تصمت، فهذا أفضل بكثير من أن تهادن أو أن تُستخدم.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24