الأحد 16 يونيو 2019 آخر تحديث: السبت 15 يونيو 2019
أشباح التاريخ بين تقنيتي المتن الروائي وهامشه قراءة في رواية جوهرة التعكر للروائي همدان دماج" - محمد عبدالوكيل جازم
الساعة 15:12 (الرأي برس (خاص) - أدب وثقافة)


 

     حين فرغت من قراءة رواية جوهرة التعكر" الفائزة بجائزة الرواية  للروائي والشاعر همدان زيد دماج لفت انتباهي قدرة الكاتب على الأخذ براية الكتابة من حيث انتهى دماج الأب صاحب العمل الروائي الخالد : "الرهينة" مضيفاً إلى ذلك نفسه الخاص ورؤيته الخاصة وأسلوبه الخاص مستفيداً من تطورات العصر ومدخلاته الغزيرة وتقنياته المتشعبة  ولعله أراد بعمله هذا تذكيرنا بموهبة والده التي بلغت ذروة الإبداع الروائي والقصصي وإن كان ثمة شيء ورثه همدان عن أبيه –بوضوح- ؛ فإنني استطيع أن أوجزه بشيئيين: أحدهما اقتناص الأفكار الكبيرة ذات العلاقة بتاريخ الإنسان، وهمومه وتطلعاته والآخر القدرة الفائقة على رسم الشخصيات بدقه. تقع الرواية في 59 مقطعاً موزعة على 6 فصول لكل فصل عنوان ومفاتيح مشهديه مكثفة تعين القارئ على تلمس مجاهل النص  
 

ليس الواقع الروائي في متناول اليد دائماً؛ فلكي تتسلل إلى عالم الرواية عليك أن تكون مسلحاً بأدوات فارقة، وذلك لأن عالم السرد ليس عالم من ورق -فقط- وإنما عالم من الاستقصاء البحثي والفني، والفلسفي، والاجتماعي والتاريخي؛ بحيث يبدو المتلقي وكأنه خبيراً بإحصاء مكاسب الدهشة، وهو ما توالى في  رواية "جوهرة التعكر" للروائي همدان الذي عمد إلى رصف الرواية وتعبيدها بمشاهد متلاحقة من الدراما السردية؛ فلا يخلو سطر من حدث شاعري يقوي علاقة المرسل بالمستقبل، ولعلي قد رأيت بأن أهم لعبة فنية وظفها الكاتب في عمله هي تقنية: المتن والهامش التي سنتناول بعضها هنا، ولكي يمد السارد روايته بوضوح الرؤية؛ زودها بتقنيات ليست جديدة؛ ولكنها فاعلة ؛ فبالإضافة إلى التقنية الرئيسية في الرواية المتن والهامش هناك تقنية الرسائل التي تم تبادلها بين كريم والشيخ العارض؛ أو بين أعضاء البعثة الطبية ملتفتاً في بعض أجزاء الرواية إلى تقنية التداعي والمونولوج
إن الثيمة المحورية التي تنهض عليها رواية جوهرة التعكر هي أن العين التي تنظر بفخر إلى الماضي هي نفس العين التي تتحرك باتجاه المستقبل، والرواية التي تتشهى الحداثة تتكئ إلى عمق جدير بان نلتفت إليه ومن هنا جاء التصاق الرواية بالجوهرة؛ فالجوهرة يزداد لمعانها بالتقادم، وهي من أضاء جبل التعكر وساهم في بناء حصن شهير ازدادت شهرته في عهد الدولة الصليحية "    " التي اتخذت من مدينة جبلة القديمة والمحاذية للحصن عاصمة لها. الجوهرة هي أول مفردة استخدمها الروائي  وكلمة جوهرة 
essence

 

 والصفة المشتقة منها  تستخدم للدلالة على ماهو عظيم الأهمية ولاغنا عنه"" 1" 
تقول الحكاية أن الجوهرة هدية من الله؛ فالحاج محمد من أهالي قرية ذي المجمرة ذهب للحج، وحين طاف مودعاً تضرع إلى الله أن يغفر لأهالي منطقته ذنوبهم؛ فقد كان يؤمن بأن ذنوبهم كثيرة، وعندما هم بالعودة إلى اليمن رأى في منامه رسول الله يأمره بالمكوث حتى يأذن له. لم يحصل على الإذن إلا بعد ثلاث سنوات. عاد وبين يديه جوهرة وجدها بالصدفة تحت وسادته حال حدوث الرؤية .على مشارف القرية أضاع الحاج محمد جوهرته الثمينة؛ فتدفقت عين ماء في نفس المكان سميت بجوهرة التعكر .

 

تحت عنوان تفعيل الماضي في الحاضر يقول ريكور أول طريقة للتفكير حول ماضوية الماضي هو التغافل عن وخز مايبحث فيه ألا وهو المسافة الزمنية الفاصلة، هكذا ستظهر العملية التاريخية بوصفها نزعاً للتنائي وتماهياً مع أو تطابقاً مع ماكان موجودا ذات مرة"2" لان العملية الإبداعية حين تخوض في السرد تتلاشى حركة الزمن؛ أو حركة "التاريخية" التي يقول بها هيدجر، ويمكننا هنا أن نلاحظ أن الروائي استفاد 
 

من تقنية المتن والهامش ليمزج في هذا العمل بين الماضي بحيويته والحاضر بطزاجته مقدماً للقارئ عملاً استثنائيا مغلفاً بسلفان الأصالة والمعاصرة.
تعد قدرة الروائي على رسم الشخصيات من السمات المائزة في العمل وقد تجلى ذلك في شخصية بطل الرواية "العمدة" ليست مفردة العمدة يمنية وإنما مفردة مصرية وفدت إلى اليمن عبر الشاشة الفضية كما أفاد السارد العليم لكنها لم تقتحم عالم الرواية بل تسللت إليه بخفة معززة بالحيثيات ومدججة بعلامات الإقناع حقاً لقد أجاد الروائي تقمص شخصية العمدة مثلما برع في رسمها وصناعتها على الأرجح؛ فالعمدة منذ بداية الرواية وحتى نهايتها حافظ على وتيرة واحدة من التنامي المنطقي ونجد في وصفه الكاركتوري ما يغنينا عن أي كاميرا سينمائية حديثة يقول:"كان العمدة قصير جدا ، ونحيلا جدا يمشي دائما بخطوات سريعة ممسكاً عصا طويلة لاتتناسب مع قامته يحملها معه تفاخراً أكثر من احتياجاً . أسمر عيناه صغيرتان غائرتان ..بفعل الزمن يتمنطق خنجراً "جنبية" صيفاني غالية الثمن ورثها عن أبيه تغطي نصف صدره ويصل رأسها إلى ذقنه ..يحتفظ وراء غمدها بمستودع صغير من السكاكين.." ص9 وصف عالي يكاد يقول خذوني.. انه وصف مبتكر للشخصية الرئيسة في العمل، وهو لمن عرف المجتمع اليمني وصف دقيق جداً .. ومع تنامي الدراما الروائية سيكتشف القارئ أن هذه  الشخصية التي يبدو ظاهرها متواضعاً ليست عادية وإنما لديها فلسفة خاصة مأخوذة من المعطى الاجتماعي المحيط  والملفت أن الروائي وهو يسوق المشاهد والأحداث نجده على مسافة من الحياد ذلك الحياد المشفوع بقدرة غير عادية على دفع التوازن ، يعيش العمدة وسط مجموعة من الشخصيات التي تدور حوله؛ في قرية ذي المجمرة التي تقع في منتصف جبل التعكر؛ حيث يشمخ دار البخور التاريخي  الشهير، وهو المكان الذي ورثه "آل العارض" من أجدادهم. يعود هذا الحصن إلى زمن ما قبل الإسلام إلى تلك الحادثة التي أوردتها كتب التاريخ من أن سُطيح التعكر كان يسكن هذا المكان وسُطيح هو الراهب اليهودي الذي احتكم إليه والد هند بنت عتبة عندما الصق زوجها بها العار فبرأها سُطيح وأخبرها بأنها ستلد الملوك العظام، وهو ما تحقق في ابنها معاوية الذي كان أول خلفاء الدولة الأموية" تقول الأساطير انه كان قادراً على استشراف المستقبل، والتكهن بالآجال كما كان باستطاعته تحريك السحب والرمال والتحكم بنزول الأمطار وأن الصخور كانت تنصاع لأوامره" ص18 

 

 لم تتوقف أهمية هذا الحصن عند هذه الحادثة؛ فقد صار هذا الحصن إبان الدولة الصلحية مقراً لحكم اليمن وذلك أثناء تولي الملكة أروى بنت أحمد الصلحي إدارة شئون الدولة لأنها عمدت إلى البقاء في مدينة جبلة القريبة من الحصن طوال شهور الشتاء، واختارت دار البخور في جبل التعكر  لتكون مقراً في الصيف. تركت الملكة أروى أشهر ملوك العرب من النساء بعد الإسلام حصن التعكر للمفضل بن أبي البركات قائد جيوشها وقد فعلت ذلك على مضض يذهب أبي البركات في مهمة عسكرية لإخماد ثورة زبيد ثم يعود ليقتل في الحصن غدرا "ويتناقل أهالي المنطقة حكاية مفادها أن شبح المفضل مايزال يظهر من حين لآخر"ص28 ومن هنا بدأ ظهور أشباح التاريخ التي تناسلت القتل الغامض.  
 

تتصاعد أحداث الرواية ونرى بأن العمدة لم يكن سوى الرجل الثاني في المنطقة بعد الشيخ العارض الذي توارث الحصن عن الأجداد وبسبب تطور الحياة في العصر الحديث انتقل الشيخ راجح العارض للسكن في صنعاء العاصمة اليمنية، ويعمل العمدة على حل الخلافات التي تنشب بين أهالي المنطقة، بمعية شخصية ثالثة: الشرجبي، وقد كانت أكثر الحوادث مأساوية تلك التي حصلت ل "كريم" الذي توارى في حادثة قتل غامضة صعب على المحيطين فك شفراتها في عقر دار البخور الشهيرة ..في نفس المكان الذي قُتل فيه المفضل بن ابي البركات .. في نفس المكان الذي ماتت فيه ريحانة عروس كريم، ومن بين أكثر الحوادث إثارة حادثة موت فورسكال أحد أعضاء بعثة الدنماركية الى اليمن "1763 "؛ فقد استعرضت الرواية تاريخ هذه الشخصية التي برزت في الهامش وليس في المتن الروائي ليعرف القارئ كيف أن هذا المكان الأثري البديع كان أيضاً- إحدى محطات الغموض . المكان العجيب لا يفرق بين شخصية عادية مثل عزيز المصاب بمرض الطفل المغولي وبين شخصية فورسكال الرحالة، والعالم الأكثر أهمية في تاريخ الحريات الأوربية؛ حيث شكل كتابه "أفكار حول الحرية المدنية"1759م نقداً صريحا للنافذين في أوربا  وأكد أن " أعز وأغلى مايملكه الإنسان بعد حياته هو حريته"ص104  انه العالم السويدي الشهير الذي اكتشف النبتة المنبهة التي تسمى في اليمن :القات حيث التصق اسمها العلمي باسمه "كاثا اريديولس سكالس"
 

في الهامش يُورد السارد أن فورسكال أصيب بالمرض الخبيث حين دخل أجواء هذه المنطقة ودوناً عن بقية أعضاء البعثة هو الوحيد الذي استجاب لنداء الحصن؛ فذهب إليه وطاف في أرجاءه، وحين عاد أصيب في اليوم التالي بمرض خطير توفى على اثر بعد أيام في مدينة " يريم " وجدها هناك كما فعل الرحالة فورسكال- كان قد رآها على شكل جروح
الدكتور "جيم يونغ" أحد أعضاء البعثة الطبية في مستشفى جبلة، شاهد-أيضاً- الآثار في قمة جبل التعكر واهتم بتدوين النقوش التي 
وجدها هناك كما فعل الرحالة فورسكال- ثم رآها على شكل جروح في رقبة الطفل "علي" ابن الشيخ العارض الذي توفي اثر حادث مروري مأساوي في الطريق الترابي الخارج من قرية ذي المجمرة تقول الرواية " ترى هل كان لموت فورسكال علاقة بهذه الأشكال..؟ وهل كان لإصرار الدكتورة "مارتا" والآخرين على الوصول إلى ما تعنية تلك النقوش هو سبب قتلهم .. ؟ " ص175 في رسائل الدكتور يونغ حديث عن حيرته من النقوش التي وجدها في رقبة الطفل ومن الواضح أن في جوهر الرواية تساؤل جدير بالالتفات وهو التساؤل المتشظي الذي يشير إلى سر تلك النقوش القاتلة التي يبدو أثرها السلبي هنا وهناك وهل لها علاقة بتلك الطلاسم التي كتبها الراهب سُطيح لهند بنت عتبة حين زارته بقصد تبرئتها من تهمة الفاحشة وقد كانت الطلاسم هدفاً للمقامرين والطامعين واللصوص
جنون القتل الغامض الذي ورثته المنطقة من الأجداد الذين تحولت أرواحهم إلى أشباح ازداد سعاره فهذا المتشدد عابد كامل يقتل عام 2002م ثلاثة أطباء في مستشفى جبلة المعمدان عندما اتهمت الجماعة المتشددة الطاقم الطبي هناك بنشر الدين المسيحي في اليمن وبالتزامن رصدت الرواية لنفس الخلية الإرهابية حادثة قتل أخرى نفذها السعواني في نفس الفترة وهي حادثة قتل أحد أهم رجال التنوير والسياسة في اليمن الشهيد جار الله عمر الذي قتل أمام الكاميرات الفضائية، وهو يلقي كلمة في احتفال عام ويجدر بنا أن نشير إلى أن حادثة السيارة وموت ركابها تزامنت مع حادثت قتل رئيس الجمهورية السابق إبراهيم الحمدي
  

***
 

         لعل القارئ سيكتشف من مجمل الحديث السابق أن هناك متن في الرواية، وهناك هامش: المتن يمثل الأحداث التي يرويها السارد وتعود أحداثها للزمن الحديث، والهامش يمثل الأحداث التي حدثت في العهد القديم يتخلل ذلك إسناد إلى مرجعيات تتحدث عن العصور الوسطى ويلجأ السارد إلى ذلك لتوضيح المشهد السردي برمته، وان كانت وفق إيحاءات هامشية؛ أو جانبية لا يرى فيها السارد إلا أخذ الدعم الفني؛ فمثلا بعد أن وصفت الرواية مجتمع القرية شرّحت عبر تقنية الفلاش باك حصن التعكر  وذكرت دوره التاريخي قبل الإسلام وبعده ثم النتقلت إلى عصر النهضة الأوربية مشيراة إلى زيارة الرحالة الدنماركي الشهير نيبور الذي رأس صندوق الرحلة
 

وتبدو تقنية المتن والهامش من التقنيات النادرة في الكتابة الروائية ويلجأ إليها الكتاب لما لها من فائدة في توصيل المعنى ولقدرة النص الروائي على استيعاب كافة الفنون والقوالب الفنية وتتميز رواية جوهرة التعكر بأن الهامش يصبح أحيانا متناً، والعكس فالهامش على مستوى الشكل ليس منزوياً في ركن الورقة وإنما يتداخل في أمشاج النص وليس هناك خطاً يفصل الهامش عن المتن بل على العكس من ذلك. الأحداث المتصاعدة في الرواية ترفع الهامش في أحايين كثيرة إلى مستوى المتن، وقد عمد الكاتب إلى هذه التقنية: المتن والهامش ليعمل على تمييز أحداث المتن عن أحداث الهامش على الرغم من الوشائج العميقة بين المسارين .
 

وفي أزهى تجليات هذه التقنية رأينا كيف تم قولبتها في إطار شكلي بحيث وضع الهامش في قالب يشبه "القصيدة العمودية فيما أخذ المتن الشكل المعتاد في الكتابة. 
 تتحقق في الرواية تلك الأسئلة الشهيرة التي انطلق منها بول ريكور في كتابه الزمان والسرد يقول في جوهر تساؤلاته " أليس الأثر بما هو أثراً، حاضراً؟ أليس من شأن متابعته جعل الأحداث التي تفض رجوعاً إليه معاصرة لآثارها؟  ألسنا نحن أنفسنا كقراء للتاريخ ، نجعل من أحداث الماضي أحداثاً معاصرة عن طريق إعادة بناء مفعمة بالحياة لتظافرها؟ وبوجيز العباره ،هل يمكن فهم الماضي بطريقة ما سوى تشبثه بالحاضر؟"3 "

 

لاحظنا أن الرواية أعطت ظهرها كلية للمدينة التي عادة ما تشكل المتن في الأعمال الروائية؛ فالريف بوصفه الهامش كالمعتاد يعود في الرواية ليصبح متناً؛ يرتفع فيه صخب الفلاحين والمهمشين والكادحين .. ذهبت الرواية إلى ذلك المكان الذي نعده دائماَ بعيدا عن الأحداث وهو في الحقيقة نواة الأحداث؛ بل روحها المثخنة بالدراما؛ تجلى ذلك في شخصية كريم الذي يتحرك في الرواية بوصفة الشخصية الأكثر حضوراً بعد العمدة، وحادثة مقتله؛ أو انتحاره تركت نهايه غامضة سُجلت في ذمة الغموض التاريخي الذي يغلف المكان، وهذه الحادثة لم تكن طارئة على مجتمع القرية البرئ؛ ولكنها كانت تمثل الجانب الفطري في ذلك المكان الملتصق بالأساطير والحكايات والوقائع الغامضة التي كانت ذات نهايات مفتوحة.. هناك دائماً أشباح شريرة تلعق دم الضحية لتخفي أدوات الجاني وبالتالي تتلاشى الأدلة المنسوبة إليه . في تلك الأمكنة المسكونة بالأساطير يجدون دائماً مبرراً لإزهاق ضحاياهم، وصناعة الجريمة.

 

إذا كانت شخصيات المتن الروائي التي تصدرها العمدة شكلت مجتمع الريف  وأحدثت صراعاً ملفتاً؛ فان لهذا المكان خصوصية تاريخية إذ أثبتت الأحداث أن ثمة فكرة مغايرة احتشد فيها مجمل التاريخ للسير في ركبها؛ فشخوص الرواية الحديثة خرجت من معطف الشخوص القديمة، وهنا جاءت الفاعلية الإبداعية لتحرك الساكن في بطون الكتب والحكايات والأساطير.
 هذه شخصيات حصن التعكر الشهيرة تتحرر من زاوية  الأسر الشبحيه  التي حُوصرت فيها طوال التاريخ، وفي الذهن الشعبي-تحديداً- لتصبح شخصيات تفاعلية. العوام تعاملوا مع هذه الشخصيات وكأنها أشباح لا عمل لها سوى إثارة الفزع والخوف والأرق وهي صورة مهزوزة أنبنى عليها وعي مشوه طوال الزمن الممتد ليس ذلك فحسب وإنما أصبحت النظرة للتاريخ وشخصياته العظيمة سلبية، ولكن العمل الأدبي حررها من ذلك التصور.

 

تقدم الرواية الشخصيات التاريخية ليس على أنها "أشباح بل تقدمها على أنها وثيقة الصلة بالهوية؛ حيث أن كتب التراث احتفظت بحقها التاريخي؛ لكنها سلبتها القدرة على الحركة، والانفعال والإدهاش، ورأت جوهرة التعكر العمل الإبداعي الروائي تجسير هذه الفجوة وإعطاء أشباح التاريخ  حرية التنفس وحرية التعبير والحركة بقصد إزالة ما نظنه تناقض بين الماضي والحاضر؛ فمثلا كانت أشباح : الراهب سطيح وأروى بنت أحمد والمفضل بن أبي البركات وفورسكال يتم تدويرها كمحفوظات في الذاكرة، لاتملك من أمرها شيء، ولم يكن انتماؤها وثيق الصلة بالذات الجمعية . وإذا كان الروائيون قد درجوا على خلق شخصيات  جديدة أقوى من شخصيات أشباح التاريخ فإن رواية جوهرة التعكر رأت بأن توائم بين الشخصيات القديمة والشخصيات الحديثة، وتجعل من العمل الإبداعي جسراً للفن والمعرفة
 

اهتم العمدة بتلك التهاويم الشبحية أخيراً وان كان لايبوح بذلك، ولكنا عرفنا من خلال هذيانه،  وهو يحتضر انه ساهم وضع حلول للحد من ظهور أشباح التاريخ القاتلة، وفي تلك الزيارة التي قام بها هو والشيخ العارض والتقاءهما بشيخ يشبه المجانيين جوار ثالث مسجد عرف في الإسلام وهو الجامع الذي أسسه معاذ بن جبل رسول رسول الله إلى اليمن، وفهمنا من السياق أن الشيخ العارض كلّف العمدة بدفن حقيبة جلدية في مكان بعيد وهو مايشير إلى أن هناك كتب، وأوراق لها علاقة بالأحداث الغامضة التي يأتي القتل؛  أو الانتحار على رأسها
 

إن رواية جوهرة التعكر على أية حال ليست حصناً في رأس جبل التعكر وليست عين ماء يتقاسم دموعها الأهالي وليست قرية ذي المجمرة وإنما هي حالة شجن إنساني ومعرفي حالة إبداع تناوبت على خلقها آلهة الأرض والسماء 
 

1- جيروم ستولنتير –ترجمة د.  فؤاد زكريا-النقد الفني "دراسة جمالية"-المؤسسة العربية للدراسات
2-بول ريكور- ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم- الزمان والسرد"الحبكة والسرد التاريخي" راجعه عن الفرنسية الدكتور جورج زيناتي- 214 
3- المرجع السابق  

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24