الاربعاء 14 نوفمبر 2018 آخر تحديث: الاربعاء 14 نوفمبر 2018
القصة اليمنية القصيرة.. دراسة ومختارات - إبراهيم أبوطالب
الساعة 15:07 (الرأي برس - أدب وثقافة)

 

حين نطالع كتاب مختارات من القصة اليمنية القصيرة اختيار وتقديم إبراهيم أبو طالب الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2008 سنجد أن اليمن أرض حضارة، لاشك في ذلك ولابد أن تكون لها خصوصية ما، وأكثر من ذلك أنها قدمت- قديما -بذور الفن القصصي من خلال بعض الكتب التراثية ذات الطابع الروائي البسيط، وخاصة الكتب التي تحكي عن ملوك دول اليمن القديمة: معين وسبأ وحمير مثل كتاب أخبار عبيد بن شرية الجرهمي، وكتاب التيجان والملوك لوهب بن منبه، بما فيهما من بذور فن عظيم وعميق في حكايات وأخبار تحمل من الدهشة والسحر أسرار الإنسان وعالمه بمعتقداته وطموحه وآماله، وصورة الحياة في نبعها القديم، وامتدادها في صيرورتها الحضارية وسيرورتها الزمانية لتكون وثيقة فن أبدية.


 

ولاتزال هذه الروح اليمنية الأصيلة بما تحمله من بصمة حضارية تحلق في دروس الحياة لتصنع عالمها الخاص، هكذا يصبح الفن لوحة قدسية من الحياة وعنها، خالدا لايبلي، متجددا لا ينضب.
من هنا كان اتجاه المؤلف لوضع هذه المختارات عن القصة القصيرة في اليمن، وهو من مواليد اليمن، صنعاء، 1970، حاصل على الماجستير في النقد الأدبي الحديث من جامعة القاهرة 2003، ويواصل رحلة البحث العلمي حتى الآن كما أنه عضو هيئة التدريس بجامعة صنعاء، كما صدرت له عدة دواوين شعرية.

 

وفكرة المختارات تختصر الوقت والجهد على القارئ، وتعطي له ومضات ولمحات، وبذور رؤية عامة كما أن التقسيم هنا (في اليمن) حضاري أكثر منه جغرافي فيما أتصور لأن الوطن العربي والعالم الإسلامي كل واحد، وروح واحدة وإن اختلفت الجزئيات.
 

مراحل تطور القصة اليمنية
 

يرصد الكاتب عدة مراحل لتطور القصة القصيرة في اليمن، تتمثل في خمس مراحل متعاقبة كالتالي:
1- مرحلة التكوين والولادة : 1940-1960:

 

تتجسد هذه المرحلة فيما أسماه بالمقالة القصصية مثل أنا سعيد لأحمد البراق (سيورد هذه الأمثلة في المختارات) حيث كانت القصة تمر بمرحلة التخلق والولادة، ومن ثم كانت دون المستوى الفني بمراحل، ومن خصائصها أنها كانت معبرا يصطنعه الكاتب لنقل أفكاره وخواطره الإصلاحية وإيراد الحكم والنصائح بشكل مسطح في ظل غياب المفهوم المتكامل لفن القصة والذي تطغى عليه الثقافة التقليدية التي تعلي من شأن الشعر والخطابة بالدرجة الأولى، ومن الأسماء المطروحة في هذه المرحلة محمد علي لقمان، وعلي لقمان، وحمزة لقمان، وحمد حسن خليفة، وهاشم عبدالله، ومشرقي عزيز، ثم الكاتب حسين سالم باصديق خاصة.
 

2- مرحلة التأسيس (1950-1960):
 

وهي مرحلة تبدأ بقصة سعيد المدرس لمحمد سعد مسواط التي تمثل العلامة المرحلية الفارقة والبداية التأسيسية الجادة للقصة القصيرة اليمنية، ثم قصة أنا الشعب لمسواط التي تمثل عهد التأسيس الفني للقصة القصيرة، وألمع كتاب هذه المرحلة هو محمد أحمد عبدالمولي، وشهدت هذه المرحلة ولادة أول مجموعة قصصية في اليمن - بل وفي الجزيرة العربية كلها - وهي أنت شيوعي لصالح الدحان وبهذا انتقلت القصة إلى المرحلة الثالثة: مرحلة التجنيس.
 

3- مرحلة التجنيس (1960-1970):
 

انتقلت القصة من التأسيس إلى التجنيس في هذه الفترة، وقد شهدت ظهور قاصين سيكون لهما شأن كبير في القصة اليمنية هأزيد مطيع دماج وعبدالله سالم باوزير كما شهدت ظهور سبع مجموعات قصصية، من بينها الرمال الذهبية لعبدالله سالم باوزير، وذوبان الذات لمحمد قاسم مثنى.
 

4- مرحلة التجديد (1970-1990):
 

في هذه الفترة تدخل القصة اليمنية أجواء أخرى، حيث بدأ الاهتمام ببناء اليمن الحديث في مطلع السبعينيات ونشطت حركة التعليم وافتتاح الجامعات (صنعاء وعدن) مما أدى إلى قيام نهضة علمية وأدبية بارزة وظهور جيل من الشباب المتفتح المتطلع ممن يحملون على عاتقهم مهمات التغيير والتقدم، الأمر الذي أدى إلى ظهور بداية التجديد الأدبي القائم على أساس البحث الدائم عن الأشكال الجديدة، وخاصة بعد أن أصبحت القصة لونا أدبيا شائعا له مريدوه وله كتابه في مناخ أدبي اتسم بالتفتح على التيارات الأدبية العربية والعالمية فاستقرت القصة لدى معظم كتابها كجنس واضح الأبعاد والتقنيات، من ثم بدأت في البحث عن أساليب الابتكار والتجديد، وهذا هو الترتيب الطبيعي للأشياء، وقد مثل هذ المرحلة جمع كبير منهم محمد مثنى، محمد صالح حيدرة، سعيد عولقي، ميفع عبد الرحمن، عبدالفتاح الولي وغيرهم كثيرون ومن النساء شفيقة زوقري، ثريا منقوش، نجيبة مسيبلي، رمزية عباس الإرياني ووصلت المجموعات القصصية في هذه المرحلة إلى (25) مجموعة.
 

5- مرحلة التجريب (1990-0000):
 

تبدأ مع مطلع التسعينيات وتستمر حتى اليوم، لاسيما حينما ظهرت الوحدة الوطنية بين شطري اليمن مما أدى إلى تحول جذري في مختلف نواحي الحياة وأضفي نوعا من البهجة والنشاط على كل أصعدة الحياة، ومن ذلك الصعيد الأدبي والثقافي الذي زادت فيه عدد الصحف والمجلات إلـي (7) التي قدمت القصة القصيرة على يد كتابها على قدم المساواة مع الشعر الذي ظل سيد الموقف لفترات طويلة، تأسس نادي القصة: المقة (موقعه على شبكة الإنترنت على الرابط التالي): www.Almoqah.net وظهرت موجة من موجات الحساسية الجديدة في الكتابة تميزت بتقنيات السرد الجديدة، وطرائق التجريب على الحدث والشخصية، والفضاء الزماني والمكاني، وأساليب اللغة، لم تعد الطريقة الموباسانية هي المسيطرة على نتاج القصة، بل بدأ كثير من الكتاب في أساليب التجريب من خلال تفتيت الحدث والزمان والمكان وجميع عناصر القصة، وبدأت لغة السرد تقترب كثيرا من لغة الشعر بمجازاتها وتكثيفها واستعاراتها حتى أصبحت القصة لا تختلف كثيرا لدي عدد من الشبان عن القصيدة في بنائها، ويأتي الاهتمام باللغة الشعرية إلى الحد الذي يمكن أن تقترب فيه القصة مما اصطلح على تسميته بـ (الأقصودة) وتعني القصة القصيرة جدا التي قد تصل إلى حجم الكف أو إلى أسطر معدودات وأحيانا إلى سطر وهي بسبب توافر عناصر الإيجاز والتكثيف والتركيز والإيحاء والإيقاع تقترب من القصيدة مع سيادة عنصر الرد القصصي بالدرجة الرئيسية.
 

ومن طرائق التجريب في هذه المرحلة التي نركز عليها لعصريتها - إضافة إلى التعامل مع اللغة - محاولة استلهام الحلم والكابوس واللاوعي وحالات الجنون والقبح والابتذال واللامنطق وتحول الإنسان إلى شيء يتم التعبير عنه بشكل بارد ومحايد أو تحوله إلى حشرة أو كائن مغاير مختلف يتحرك بكل حرية في آفاق الحلم والخيال مما يدل في رأي بعض الدارسين (د. شاكر عبدالحميد) على قدرة القصة القصيرة كنوع أدبي مميز على التعبير عن كل ما يتعلق بالإنسان في علاقته بذاته والآخرين وبالواقع والحياة والكون بشكل يتسم بالعمق والتركيز إذا توفر عليه كاتب صادق مخلص موهوب إذ ان القصة القصيرة ليست أقل من أي نوع أدبي آخر مع قدرتها على الإحاطة بجوانب هذا العالم وتشهد هذ المرحلة ثراء في عدد الكتاب وظهور المجموعات القصصية (106 مجموعات خلال 51 عاما) كما تشهد ثراء في عدد الكاتبات القاصات ولا يعني هذا خفوت صوت الأشكال التقليدية للقصة التي تسير جنبا إلى جنب مع الكتابات التجريبة، ثم يقدم الكاتب اختيارا لاثنتين وأربعين قصة قصيرة لا تنفصل عن كل سطر عما سبق، بل تمثل تطبيقا جيدا له، مراعيا التسلسل التاريخي وفقا للعرض السابق إلى حد كبير، بحيث تغطي المشهد القصصي اليمني بتنوعه في المضمون والشكل، وفي تقنيات البناء واللغة والروح، ليتاح للقارئ رصد القصة في اليمن عبر نهرها الزمني المتدفق.
 

وهناك دافع عميق وراء هذا الاختيار يبينه الكاتب قائلا: ولعل في هذا العمل محاولة قد تجيب إلى حد ما عن سؤال لطلما صدمت به- ليس في الوسط الثقافي العام وحسب، بل في وسط بعض المتخصصين في الفن السردي والنقدي - وهو: هل في اليمن فن قصصي وروائي؟ وهل ثمة قاص غير زيد مطيع ماج صاحب الرهينة؟ والآن نترك القارئ يتبحر في قراءة هذه المختارات ويستمتع بها وهي «أنا سعيد« لأحمد البراق، «سعيد المدرس« لمحمد سعيد مسواط، و«إيش اسمك« لصالح الدحان، «القرية المنكوبة« لعبدالمجيد القاضي، «سلام كثير« لعبدالله سالم باوزير، «كبد الفرس« لمحمد الزرقة، «ذئب الحلة« لمحمد أحمد عبدالولي، «النعش« لأحمد محفوظ عمر، «الثلاثة« لعبدالفتاح عبدالولي، «أحسست بضمأ (كذا) مكبوت« لمحمد مثنى، «الزنزانة« لعبدالوهاب الضوراني، «الاستحمام بصمت الشمس والكتب والطباشير« لميفع عبدالرحمن، «حكاية قصيرة جدا« لحسن اللوزي، «حادثة في زقاق لرمزية« عباس الإرياني، «الراحلون عند الأصيل« لحسين سالم باصديق، «انتفاخ« لزين السقاف، «الغجرية« لزيد مطيع دماج، «براءة« لنبيل سيف الكميم، «ذات مساء ذات راقصة« لعبدالناصر مجلي، «العاشقة والكاتب« لهشام سعيد شمسان، «الأعمى وعصاه« لعبدالكريم الرازحي، «جوقة الوقت« لآمنة يوسف، «قطة على الأسفلت« للمكالح عبدالكريم، «قدمان، تدريجا تتعامى« لأحمد زين، «يحدث في تنكا بلاد النامس« لأروى عبده عثمان، «حكاية التفاحة« لأفراح الصديق، «دهشة« لمحمد أحمد عثمان، «لعنة الأرض« لريا أحمد حنظل، «خلف تفتح قلبها مساء« لعلي سالم اليزيدي، «الوردة المتوحشة« لخالد الرويشان، «صباح الفول يا وطني« لمحاسن الحواتي، «زلزال« لمحمد المغربي عمران، «السير في اتجاه القلب« لمحمد عبدالوكيل حازم، «أنفي المزعج« لوجدي الأهدل، «أوهام العسل« لسامي الشاطبي، «واحدان« لهدي العطاس، «عناوين من مفكرة (ع)« لعلي صالح عبدالله، «حبيبات« لنادية الكوكباني، «دهس القمر في مدينة خلف الأسوار!!« لصالح على البيضاني، «المذنبة« لزهرة رحمة الله، «وقع ليس سهوا« لنبيلة الزبير، ثم يختتمها بقصة «صرخها يتقدمها الصمت« لمحمد القعود.
 

الكتاب: مختارات من القصة اليمنية القصيرة - اختيار وتقديم إبراهيم أبو طالب - الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة - الطبعة 2008 - الحجم 383 صفحة من القطع المتوسط.

 

لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا

لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا

شارك برأيك
المشاركات والتعليقات المنشورة لاتمثل الرأي برس وانما تعبر عن رأي أصحابها
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحافة 24